ابن قيم الجوزية

354

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

والعقاب على من هو أولى به ، فأثبتوا نطق العبد حقيقة ، وإنطاق اللّه له حقيقة ، قال تعالى : وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ( 21 ) [ فصلت ] فالإنطاق فعل اللّه الذي لا يجوز تعطيله ، والنطق فعل العبد الذي لا يمكن إنكاره ، كما قال تعالى : فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ( 23 ) [ الذاريات ] فعلم أن كونهم ينطقون هو أمر حقيقي ، حتى شبه به في تحقيق كون ما أخبر به ، وأن هذا حقيقة لا مجاز ، ومن جعل إضافة نطق العبد إليه مجازا ، لم يكن ناطقا عنده حقيقة ، فلا يكون التشبيه بنطقه محققا لما أخبر به ، فتأمله . ونظير هذا قوله تعالى : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى ( 43 ) [ النجم ] فهو المضحك المبكي حقيقة ، والعبد الضاحك الباكي حقيقة ، كما قال تعالى : فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً ( 82 ) [ التوبة ] وقال : أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ( 59 ) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ ( 60 ) [ النجم ] . فلولا المنطق الذي أنطق والمضحك المبكي الذي أضحك وأبكى ، لم يوجد ناطق ولا ضاحك ولا باك ، فإذا أحبّ عبدا أنطقه بما يحب ، وأثابه عليه ، وإذا أبغضه أنطقه بما يكرهه ، فعاقبه عليه ، وهو الذي أنطق هذا وهذا ، وأجرى ما يحبّ على لسان هذا ، وما يكره على لسان هذا ، كما أنه أجرى على قلب هذا ما أضحكه ، وعلى قلب هذا ما أبكاه ، وكذلك قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ( 22 ) [ يونس ] وقوله : قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ( 11 ) [ الأنعام ] فالتسيير فعله حقيقة ، والسير فعل العبد حقيقة ، فالتسيير فعل محض ، والسير فعل وانفعال ، ومن هذا قوله تعالى فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها ( 37 ) [ الأحزاب ] فهو سبحانه المزوج ورسوله المتزوج ، وكذلك قوله وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ( 54 ) [ الدخان ] فهو المزوّج وهم المتزوجون وقد جمع سبحانه بين الأمرين في قوله : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ